تعود العلاقات التجارية بين بلاد العرب والهند حسب بعض المراجع إلى نحو سبعة آلاف من السنين . إذ كانت مصر وبلاد الرافدين أي ( العراق ) منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد تحصل على بعض المنتجات والبضائع الهندية ومن الشرق الأقصى ، وكان التجار
الذين ينقلون تلك البضائع في الغالب من عرب الخليج . وكانت تلك لبضائع تضم التوابل والبخور والعطور والأحجار الكريمة والاقمشة ...الخ. وكانت السفن تبحر بالبضائع من الهند عبر الخليج ونهر الفرات إلى بابل والقطيف ثم عبر الصحراء إلى فلسطين ومصر. ثم تطور طريق بحري آخر بين حضرموت وعدن إلى الهند وكانت البضائع تنتقل بعد ذلك براً إلى الشام أو عبر البحر الأحمر إلى مصر.
واليوم نجد أن التجار الهنود يعملون بنشاط في الخليج وخصوصا الإمارات وبالذات دبي،
كما أن هناك في دول الخليج مئات الألوف من العمال والموظفين الهنود وبشكل خاص من
ولاية كيرالا التي تكثر فيها نسبة المسلمين وقد تضاعف وفودهم بشكل ضخم بعد ظهور
النفط وقد ساهموا في التنمية السريعة التي حدثت في الخليج. ولاشك أن العلاقات
الاقتصادية بين الدول العربية والهند سوف تزداد في السنوات المقبلة نظرا لأهمية
الهند وسرعة نموها الاقتصادي والتقني وحاجتها للنفط والغاز الخليجي .
وكان العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية قد شهد تقارب نضالي عربي هندي ضد
الاستعمار وخصوصا الاستعمار البريطاني ووصلت العلاقات ذروتها عندما تلاقت جهود جمال
عبد الناصر وجواهر لال نهرو في حركة عدم الإنحياز في باندونج عام 1955 مع سوكارنو
وتيتو وآخرين . وكانت مواقف الهند حتى سنوات قريبة مؤيدة تأيدا تاما للعرب في
صراعهم مع الاغتصاب الإسرائيلي لفلسطين ولكن بعض الدول العربية طبعت مع العدو بعد
ذلك فتبعتها دول منها الهند .
لاشك أن العلاقات العربية الهندية الثقافية ما زالت دون المستوى المطلوب لأن العرب
تأثروا واتجهوا في مجال العلم والثقافة نحو الغرب بشكل أكبر لأسباب تاريخية أهمها
الأستعمار الغربي وانتشار اللغتين الأنجليزية والفرنسية كلغتين مهمتين في العالم
العربي. ولكن نلاحظ أن كثيراً من أبناء الجيلين السابقين في الإمارات والخليج كانوا
يتاجرون في الهند في اللؤلؤ وغير ذلك ويجلبون البضائع الهندية بما في ذلك التوابل
التي كان يجلبها أجدادهم منذ آلاف السنين وفيهم من تعلم هناك كإبراهيم العريض رئيس
المجلس التأسيسي في البحرين وجدي الأديب الروائي محمد علي لقمان مؤسس الصحافة في
عدن الذي تخرج في المحاماة من الهند وكان على صلة شخصية بالمهاتما غاندي وألف رواية
كمالا ديفي التي تقع أحداثها في الهند . وهناك أيضا الشاعر الإماراتي أحمد بن سليم
الذي عمل في الإذاعة الهندية خلال الاربعينيات من القرن الفائت وكان على صلة
بمولانا أبو الكلام آزاد العالم الهندي المسلم الذي تولى رئلسة الجمهورية الهندية.
وكثير من أبناء الإمارات وخصوصا من كبار السن يتحدث الهندية.

ومن الشخصيات الهامة التي زارت المنطقة العربية (علاوة على المهاتما غاندي) الشاعر
الشهير رابندرانات طاغور الحاصل على جائزة نوبل فقد زار الخليج في العشرينات من
القرن الماضي . وقد ترجم بعض قصائد وقصص طاغور أكثر من أديب عربي . وحتى وقت قريب
كان كان القارئ العربي لايكاد يعرف من أدباء شبه القارة الهندية سوى طاغور الذي
ترجم بعض أشعاره أكثر من أديب عربي ، بالإضافة إلى الشاعر العلامة محمد إقبال الذي
ترجم بعض إشعارة إلى العربية السفير عبد الوهاب عزام والشاعر اليمني الكبير محمد
محمود الزبيري الذي كان لاجئا في باكستان ، والعلامة الأعظمي الذي حول الصاوي شعلان
ترجمته لقصيدتيه " شكوى وجواب شكوى" الى نظم فاشتهرت الترجمة المنظومة بعد أن غنتها
أم كلثوم ومطلعها : "حديث الروح للأرواح يسري فتدركه القلوب بلا عناء". وكان يكتب
الشعر بالفارسية والأوردية وهو صاحب فكرة إنشاء باكستان ولكن ربما ليس الانفصال
التام .
ومنذ بضعة أعوام قامت الشاعرة التأميلية الدكتورة نرمالا سوريش بزيارتي في مكتبي
عندما كنت أعمل في مؤسسة موانئ دلي والمنطقة الحرة بجبل علي مديراً للدائرة
الهندسية وتحدثت معها حديثا ً مطولا ً عن الشعر العربي عبر العصور وعن ترجمة الشعر
ثم نشرت كتابا ًيحوي قصائد من الشعر العربي والإماراتي مترجمة إلى التاميلية
واعتمدت على نصوص من ترجماتي للشعر العربي وترجمات للدكتورغازي قصيبي . وكنت خلال
السنوات الأخيرة أترجم الشعر المتميز المكتوب بالماليالم من خلال ترجمات إنكليزية
لمشاهير الشعر الحديث في كيرالا وبعض المقيمين في الإمارات وانشر ما أترجمة في
"الخليج الثقافي" و"الصدى" و "دبي الثقافية" و"شؤون أدبية" و"الرافد" و"العربي" الخ
ثم جمعت تلك القصائد في كتاب بعنوان قصائد من كيرالا نشرته الدائرة الثقافية في
الشارقة عام 2005 فكان بذلك أول كتاب بالعربية يقدم شعرالمالايالم الحديث مترجما
الى لغتنا ويحوي الكتاب نحو خمسين قصيدة لسبعة وعشرين شاعرا ً وشاعرة منهم
"ساتشيداناندان" الذي استضافة المجمع الثقافي واتحاد كتاب وأدباء الإمارات في العام
الماضي لإحياء أمسية شعرية في المجمع بالاشتراك معي فقرأ فيها قصائدة وترجمات
لقصائدي وقرأت أنا ترجمات عربية لقصائده . كما استضاف المجمع منذ عامين الشاعر
الهندي الراحل كادامانيتا رام كريشنان عضو البرلمان وقرأ قصائده وقرأت أنا ترجماتها
. وفي معرض الكتاب الأخير في الشارقة استضيفت الشاعرة الصديقة شجوثاكماري
واستضافتنا مكتبة دي سي وكنا قد التقينا في حفل عشاء أقامه القنصل في منزله بمناسبة
زيارتها وزيارة الشاعر المعروف شوليكاد وشعراء آخرين وكنت أنا الشاعر العربي الوحيد
ضمن الضيوف .
واهتم شعراء كيرالا بترجمة الكثير من أشعاري وأشعار الإماراتيين وأجرت الصحف معي
كثيراً من الحوارات وكتبت عن شعري المقالات النقدية ثم صدرت مجموعة من أشعاري في
الهند نشرتها إحدى أكبر دور النشر في كيرالا وكتب المقدمة للكتاب الشاعر الكبير
ساتشيداناندان وقيل لي إن هذا أول كتاب لشاعر عربي بالماليالم .

وقد قمت منذ عامين بترجمة المزيد من قصائد الشعر الهندي من مختلف أرجاء الهند
ولغاتها وحين بلغت ثمانين قصيدة لثلاثين شاعرا معروفا أمثال ميرزا غالب وطاغور
وكمالا سريا وساتشيداناندان كتبوها في الأصل بواحدة من 12 لغة هندية تكرم المجمع
الثقافي بأبوظبي بنشرها في كتاب. وكانت كل ترجماتي تلك عن طريق ترجمات إنكليزية
للنصوص أحيانا قام بها الشعراء أنفسهم .
وفي العام الماضي أصدر مشروع كلمة كتاب بعنوان ( كيف انتحر مايكوفسكي ) يحوي ترجمات
لخمسين قصيدة من شعر ساتشيداناندان قمت أنا بترجمتها، ومنذ أسابيع استضافني نادي
الصحافة بدبي مع ساتشتشيداناندن للحديث عن ذلك الكتاب وتجاربنا في كتابة الشعر
وترجمته. وأتوقع أن ينشر مشروع كلمة كتابا في معرض أبوظبي للكتاب في مارس المقبل
بعنوان (يا ألله) وهو ترجمة لأربعين قصيدة للشاعرة الصديقة الراحلة كمالا ثريا التي
اعتنقت الإسلام وسجلت تلك التجربة الفريدة في ديوانها هذا الذي قمت أنا بترجمته.
فأنا أرى أن الشعر هو روح اية أمة والاهتمام بترجمة الشعر ضروري للتواصل بين الشعوب
ولدعم حوار الحضارات بدلا من صراعاتها التي نظر لها أمثال صمويل هنتنجدن . ويوم
توفيت كمالا زارني تلفزيونان هنديان اثنان وبعض محطات الإذاعة والصحف الهندية
لأتحدث عنها وعن كتاب يا ألله الذي كنت قد كتبت مقدمة ترجمته إلى الإنكليزية التي
قام بها الأديب الهندي كليم أحمد . وهكذا يهتم الهنود بمبدعيهم ويعاملونهم بمحبة
بالغة .
وفي هذا الشهر يصدر كتاب ضخم وفخم من نوع " كتب طاولة القهوة " في 260 صفحة للقنصل
العام الهندي في دبي فينو راجماني وهو يحمل درجة في القانون وماجستير في العلاقات
الدولية وهو دبلوماسي متميز وخطيب مفوه عمل خلال ثلاث سنوات على تقوية الأواصر
الهندية الإماراتية بما فيها الثقافية . والكتاب يسجل تطور العلاقات الهندية
الإماراتية عبر السنين ويولي الجانب الثقافي اهتماما كبيرا بجانب العلاقات السياسية
والاقتصادية والتجارية ، وقد تكرم بالإشارة الى الدور الذي لعبته شخصيا في ترجمة
الشعر الهندي المعاصر إلى العربية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ